في قلب دمشق القديمة، يمتد الشارع المستقيم كخيطٍ تاريخي يصل بين الماضي والحاضر، حاملاً في تفاصيله ذاكرة قرونٍ طويلة من الحياة والعبور. يعرف اليوم باسم سوق مدحت باشا، لكنه هو ذاته “الشارع المستقيم” المذكور في الإنجيل المقدس، والذي حافظ على مساره الأصلي منذ العهد الروماني حتى يومنا هذا.
يمتد هذا الشارع الرئيسي لمسافة تقارب 1500 متر، عابرًا المدينة القديمة من باب الجابية غربًا إلى باب شرقي شرقًا، وكأنه شريان نابض يشق قلب دمشق، يروي حكايات التجار والحجاج والمسافرين الذين مرّوا به عبر العصور.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أضفى الوالي العثماني مدحت باشا طابعًا جديدًا على المكان، حين أنشأ سوقًا ضخمًا على امتداد الشارع، فحمل اسمه منذ ذلك الحين. ومع ذلك، ظل اسمه القديم حاضرًا في الذاكرة التاريخية والدينية، شاهدًا على عمق جذوره في التاريخ.
وتحت مستوى الشارع الحالي بنحو ستة أمتار تقريبًا، يرقد الشارع الروماني الأصلي، في طبقةٍ أقدم من الزمن. وقد كشفت الحفريات المتعاقبة عن بعض أعمدته الرومانية، التي لا تزال بعض بقاياها ظاهرة للعيان، خاصة في المنطقة القريبة من باب شرقي، حيث يمكن للزائر أن يلمح آثار العظمة الكلاسيكية ممتزجةً بصخب الحياة اليومية.
الشارع المستقيم ليس مجرد طريقٍ تجاري، بل هو ممرٌّ عبر التاريخ، تمشي فيه فتشعر أن خطواتك تعبر فوق طبقاتٍ من الحضارة، وأن كل حجرٍ فيه يحفظ سرًا من أسرار دمشق، المدينة التي لا تنفد حكاياتها.